القرطبي
196
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثوبين من متاع بمصر ممشقين ( 1 ) ويقول : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " . الثانية - وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب ، والتجمل بها في الجمع والأعياد ، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان . قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا . وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء ( 2 ) تباع عند باب المسجد ، فقال : يا رسول الله ، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما يلبس هذا من لأخلاق له في الآخرة ) . فما أنكر عليه ذكر التجمل ، فما أنكر عليه ذكر التجمل ، وإنما أنكر عليه كونها سيراء . وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها . وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد . وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار . أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب . ويقول : " ولباس التقوى ذلك خير " هيهات ! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى ، لا والله ! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى ، وغيرهم أهل دعوى ، وقلوبهم خالية من التقوى . قال خالد بن شوذب : شهدت الحسن وأتاه فرقد ، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال : يا فريقد ، يا بن أم فريقد ، إن البر ليس في هذا الكساء ، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل . ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن يسار ( 3 ) وعليه جبة صوف ، فقال له أبو الحسن : يا أبا محمد ، صوفت قلبك أو جسمك ؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي ( 4 ) . وقال رجل للشبلي : قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع ، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط ، فأنشأ يقول : أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائه
--> ( 1 ) ثوب ممشق . ممشوق : مصبوغ بالمشق ، وهو صبغ أحمر . ( 2 ) سيراء بسين مهملة مكسورة ثم ياء مثناة مفتوحة ثم ألف ممدودة : نوع من البرود فيه خطوط صفر ، أو يخالطه . حرير . وضبطوا الحلة هنا بالتنوين ، على أن سيراء صفة . وبغير تنوين على الإضافة . وهما وجهان مشهوران . ( 3 ) في ج وع وك وه : بشار . ( 4 ) القوهي : ضرب من الثياب بيض فارسي منسوبة إلى قهستان .