القرطبي
197
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله : وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه : أحدها : أنه ليس من لبس السلف ، وإنما كانوا يرقعون ضرورة . والثاني : أنه يتضمن ادعاء الفقر ، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم ( 1 ) الله عليه . والثالث - إظهار التزهد ، وقد أمرنا بستره . والرابع - أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة . ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال الطبري : ولقد أخطأ من أثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله . ومن أكل البقول والعدس وأختاه على خبز البر . ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء . وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف ، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخزز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار . وقال أبو الفرج : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة ، لا المترفعة ولا الدون ، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان ، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا . وأما اللباس الذي بزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر ، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى ، ويوجب احتقار اللابس ، وكل ذلك مكروه منهي عنه . فإن قال قائل تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها ، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق . فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يذم ، وليس كل ما يتزين به للناس يكره ، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين . فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا . وذلك حظ للنفس لا يلام فيه . ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج . وليس في شئ من هذا ما يكره ولا يذم . وقد روى مكحول عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفي الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره . فقلت : يا رسول الله ، وأنت تفعل هذا ؟ قال : ( نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ) . وفي صحيح . مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) .
--> ( 1 ) في ج وك : نعمة . وفى الحديث إن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده رواء الترمذي .