القرطبي
156
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عليه ، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك ، فنزلت الآية . وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ . و " غير " نصب " بأبغي " و " ربا " تمييز . قوله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : " ولا تكسب كل نفس إلا عليها " أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك ، إلا تكسب كل نفس إلا عليها ، أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية ، وركبت من الخطيئة سواها . الثانية : وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح ، وهو قول الشافعي . وقال علماؤنا : المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا ، بدليل قول تعالى : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " على ما يأتي . وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك ، فإن أجازه جاز . هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره ، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ، وبه قال أبو حنيفة . وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال : عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب ( 1 ) فأعطاني دينارا وقال : ( أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار ) فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار ، فجئت أسوقهما - أو قال أقودهما - فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار ، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار ، فقلت : يا رسول الله ، هذه الشاة وهذا ديناركم . قال : ( كيف صنعت ) ؟ فحدثته الحديث . قال : ( اللهم بارك له في صفقة يمينه ) . قال : فلقد رأيتني أقف في كناسة ( 2 ) الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي . لفظ الدارقطني . قال أبو عمر : وهو حديث جيد ، وفيه ( 3 ) صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين ( 4 ) ، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع . وفيه دليل على جواز الوكالة ، ولا خلاف فيها بين العلماء . فإذا قال الموكل لو كيله : اشتر كذا ، فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا ؟ . كرجل قال لرجل : أشتر بهذا
--> ( 1 ) الجلب ( بالتحريك ) : ما جلب القوم من غنم وغيره . ( 2 ) محله بالكوفة يشبه أن تكون سوقا . ( 3 ) في ج : في صحته ثبوت . ( 4 ) في ك : للشارين .