القرطبي
4
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول ، ثم قال لهم بعد ذلك : " ما يفعل الله بعذابكم " [ النساء : 147 ] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والايمان . ثم قال للمؤمنين : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " في إقامته على النفاق ، فإنه يقال له : ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار ؟ ونحو هذا من القول . وقال قوم : معنى الكلام : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ، ثم استثنى استثناء منقطعا ، أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك . قلت : وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم ، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم . وقال أبو إسحاق الزجاج : يجوز أن يكون المعنى " إلا من ظلم " فقال سوءا ، فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه ، ويكون الاستثناء ليس من الأول . قلت : ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام : ( خذوا على أيدي سفهائكم ) . وقوله : ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ) قالوا : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : ( تكفه عن الظلم ) . وقال الفراء : " إلا من ظلم " يعني ولا من ظلم . قوله تعالى : ( وكان الله سميعا عليما ) تحذير للظالم حتى لا يظلم ، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار . ثم أتبع هذا بقوله : " إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء " فندب إلى العفو ورغب فيه . والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام ، وقد تقدم في " آل عمران " ( 1 ) فضل العافين [ عن الناس ] ( 2 ) . ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها . وقيل : إن عفوت فإن الله يعفو عنك . روي ابن المبارك قال : حدثني من سمع الحسن يقول : إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا ، يصدق هذا الحديث قوله تعالى : " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " [ الشورى : 40 ] . ( 3 )
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 207 . ( 2 ) من ز . ( 3 ) راجع ج 16 ص 38 .