القرطبي

5

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ( 150 ) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ( 151 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( إن الذين يكفرون ) لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب ، اليهود والنصارى ، إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبين أن الكفر به كفر بالكل ، لأنه ما من نبي إلا وقد أمر قومه بالايمان بحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ومعنى ( يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) أي بين الايمان بالله ورسله ، فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر ، وإنما كان كفرا لان الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها ، فكان كجحد الصانع سبحانه ، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية . وكذلك التفريق بين رسله في الايمان بهم كفر ، وهي : المسألة الثانية - لقوله تعالى : ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ، وقد تقدم هذا من قولهم في " البقرة " ( 1 ) . ويقولون لعوامهم : لم نجد ذكر محمد في كتبنا . ( ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) أي يتخذوا بين الايمان والجحد طريقا ، أي دينا مبتدعا بين الاسلام واليهودية . وقال : " ذلك " ولم يقل ذينك ، لان ذلك تقع للاثنين ولو كان ( 2 ) ذينك لجاز . الثالثة - قوله تعالى : ( أولئك هم الكافرين حقا ) تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض ، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله ، وإذا

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 92 ( 2 ) في ك : ولو قال . أي في غير القرآن .