القرطبي

3

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للامام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك ، حكي معناه عن سفيان ، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما . الثانية - وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن . الحديث . ولم يرد عليه واحد منهم ، لأنها كانت حكومة ، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه ، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب ، قاله ابن العربي . وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت ، وأما إذا تفاوتت ، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل ( 1 ) على الفضلاء ، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب ، وهذا صحيح وعليه تدل الآثار . ووجه آخر - وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة ! فإن العم صنو ( 2 ) الأب ، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الاغلاظ والردع مبالغة في تأديبه ، لا أنه موصوف بتلك الأمور ، ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية ، فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز ، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور ، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه ، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه ، أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما . الثالثة - فأما من قرأ " ظلم " بالفتح في الظاء واللام - وهي قراءة زيد بن أسلم ، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي ، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب - فالمعنى : إلا من ظلم في فعل أو قول فأجهروا له بالسوء من القول ، في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه ، المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق : ألست نافقت ؟ إلا من ظلم ، أي أقام على النفاق ، ودل على هذا قوله تعالى : " إلا الذين تابوا " . قال ابن زيد : وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين

--> ( 1 ) في ز : تسلط . ( 2 ) الصنو : المثل .