القرطبي

38

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه . وقد اختلف العلماء في إشعار الهدي وهي : الثانية - فأجازه الجمهور ، ثم اختلفوا في أي جهة يشعر ، فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : يكون في الجانب الأيمن ، وروي عن ابن عمر . وثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن ، أخرجه مسلم وغيره وهو الصحيح . وروي أنه أشعر بدنه من الجانب الأيسر ، قال أبو عمر بن عبد البر : هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس ، والصحيح حديث مسلم عن ابن عباس ، قال : ولا يصح عنه غيره . وصفحة السنام جانبه ، والسنام أعلى الظهر . وقالت طائفة : يكون في الجانب الأيسر ، وهو قول مالك ، وقال : لا بأس به في الجانب الأيمن . وقال مجاهد : من أي الجانبين شاء ، وبه قال أحمد في أحد قوليه . ومنع من هذا كله أبو حنيفة وقال : إنه تعذيب للحيوان ، والحديث يرد عليه ، وأيضا فذلك يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما تقدم ، وقد أوغل ابن العربي على أبي حنيفة في الرد والانكار حين لم ير الاشعار فقال : كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة ! لهي أشهر منه في العلماء . قلت : والذي رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية الاشعار مكروه من قول أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح ، لان الاشعار لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد ، ومن حيث أنه جرح ومثلة كان حراما ، فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا . ولأبي حنيفة أن الاشعار مثلة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروها ، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ما جعل هديا ، وكانوا لا يعرفون الهدى إلا بالاشعار ثم زال لزوال العذر ، هكذا روي عن ابن عباس . وحكى عن الشيخ الامام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى أنه قال : يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع على وجه يخاف منه السراية ( 1 ) ، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان يفعل في عهد رسول الله صلى

--> ( 1 ) السراية : هي من قول الفقهاء . سرى الجرح إلى النفس أي دام ألمه حتى حدث منه الموت . كما يستفاد من المصباح .