القرطبي
39
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الله عليه وسلم فهو حسن ، وهكذا ذكر أبو جعفر الطحاوي . فهذا اعتذار علماء الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في الاشعار ، فقد سمعوه ووصل إليهم وعلموه ، قالوا : وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحد محرما ، لان مباشرة المكروه لا تعد من المناسك . الثالثة - قوله تعالى : ( ولا الشهر الحرام ) اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي أربعة : واحد فرد وثلاثة ( 1 ) سرد ، يأتي بيانها في " براءة " ( 2 ) ، والمعنى : لا تستحلوها للقتال ولا للغارة ولا تبدلوها ، فإن استبدالها استحلال ، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسئ ، وكذلك قوله : " ولا الهدي ولا القلائد " أي لا تستحلوه ، وهو على حذف مضاف أي ولا ذوات القلائد جمع قلادة . فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة ، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد . الرابعة - قوله تعالى : ( ولا الهدى ولا القلائد ) الهدي ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة ، الواحدة هدية وهدية وهدي . فمن قال : أراد بالشعائر المناسك قال : ذكر الهدي تنبيها على تخصيصها . ومن قال : الشعائر الهدي قال : إن الشعائر ما كان مشعرا أي معلما بإسالة الدم من سنامه ، والهدي ما لم يشعر ، اكتفى فيه بالتقليد . وقيل : الفرق أن الشعائر هي البدن من الانعام . والهدي البقر والغنم والثياب وكل ما يهدى . وقال الجمهور : الهدي عاما في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ( المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) إلى أن قال : ( كالمهدي بيضة ) فسماها هديا ، وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة ، وكذلك قال العلماء : إذا قال جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به ، إلا أن الاطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم ، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه ، وهذا إنما تلقى من عرف الشرع في قوله تعالى : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " ( 3 ) [ البقرة : 196 ] وأراد به الشاة ، وقال تعالى : " يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة " ( 4 ) [ المائدة : 95 ] وقال تعالى : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج
--> ( 1 ) سرد : متتابعة . ( 2 ) راجع ج 8 ص 71 . ( 3 ) راجع ج 2 ص 365 . ( 4 ) راجع ص 312 من هذا الجزء .