القرطبي
351
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ومعنى قوله : ( أو آخران من غيركم ) أي من غير القرابة والعشيرة ، قال النحاس : وهذا ينبني على معنى غامض في العربية ، وذلك أن معنى " آخر " في العربية من جنس الأول ، تقول : مررت بكريم وكريم آخر ، فقوله " آخر " يدل على أنه من جنس الأول ، ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر ، ولا مررت برجل وحمار آخر ، فوجب من هذا أن يكون معنى قوله : " أو آخران من غيركم " أي عدلان ، والكفار لا يكونون عدولا فيصح على هذا قول من قال " من غيركم " من غير عشيرتكم من المسلمين . وهذا معنى حسن من جهة اللسان ، وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله ، لان المعنى عندهم " من غيركم " من غير قبيلتكم على أنه قد عورض هذا القول بأن في أول الآية " يا أيها الذين آمنوا " فخوطب الجماعة من المؤمنين . السابعة - استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم ، قال : ومعنى " أو آخران من غيركم " أي من غير أهل دينكم ، فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض ، فيقال له : أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية ، لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها فلا يصح احتجاجك بها . فإن قيل : هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق ، ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه ، وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلان تقبل على أهل الذمة أولى ، ثم دل الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين ، فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه ، وهذا ليس بشئ ، لان قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين ، فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلان تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى . والله أعلم . الثامنة - قوله تعالى : ( إن أنتم ضربتم في الأرض ) أي سافرتم ، وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض " فأصابتكم مصيبة الموت " فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ، ودفعتم إليهما ما معكم من المال ، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ،