القرطبي

352

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وادعوا عليهما خيانة ، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة ، أي تستوثقوا منهما ، وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة ، قال علماؤنا : والموت وإن كان مصيبة عظمي ، ورزية كبرى ، فأعظم منه الغفلة عنه ، والاعراض عن ذكره ، وترك التفكر فيه ، وترك العمل له ، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر ، وفكرة لمن تفكر . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه قال : ] ( 1 ) ( لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا ) . ويروى أن أعرابيا كان يسير على جمل له ، فخر الجمل ميتا فنزل الأعرابي عنه ، وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول : ما لك لا تقوم ؟ ! ما لك لا تنبعث ؟ ! هذه أعضاؤك كاملة ، وجوارحك سالمة ، ما شأنك ؟ ! ما الذي كان يحملك ؟ ! ما الذي كان يبعثك ؟ ! ما الذي صرعك ؟ ! ما الذي عن الحركة منعك ؟ ! ثم تركه وانصرف متفكرا في شأنه ، متعجبا من أمره . التاسعة - قوله تعالى : ( تحبسونهما ) قال أبو علي : " تحبسونهما " صفة ل‍ " آخران " واعترض بين الصفة والموصوف بقوله : " إن أنتم " . وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حق ، والحقوق على قسمين : منها ما يصلح استيفاؤه معجلا ، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلا ، فإن خلي من عليه [ الحق ] ( 1 ) غاب واختفى وبطل الحق وتوي ( 2 ) فلم يكن بد من التوثق منه ( 3 ) فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهنا ، وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل ( 4 ) ، وهو دون الأول ، لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره ، ولكن لا يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق ، أو تبين عسرته . العاشرة - فإن كان الحق بدنيا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق ( 5 ) استيفاؤه معجلا ، لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه ، ولأجل هذه الحكمة شرع السجن ، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة . وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) توى المال : ذهب فلم يرج . ( 3 ) في ع وك : به . ( 4 ) الحميل : الكفيل . ( 5 ) في ك : لم يمكن .