القرطبي
347
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
اقتسمناها أنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره ، قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر ، وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع ( 1 ) به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله " بعد أيمانهم " فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدي بن بداء . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح . وذكر الواقدي أن الآيات الثلاث نزلت في تميم وأخيه عدي ، وكانا نصرانيين ، وكان متجرهما إلى مكة ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا ، فخرج مع تميم وأخيه عدي ، وذكر الحديث . وذكر النقاش قال : نزلت في بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهمي ، كان خرج مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي ، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميما وكان من لخم وعدي بن بداء ، فمات بديل وهم في السفينة فرمي به في البحر ، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال : أبلغا هذا المتاع أهلي ، فلما مات بديل قبضا المال ، فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال ، منقوشا ( 2 ) مموها بالذهب ، وذكر الحديث . وذكره سنيد وقال : فلما قدموا الشام مرض بديل وكان مسلما ، الحديث . الثانية - وقوله تعالى : " شهادة بينكم " ورد " شهد " في كتاب الله تعالى بأنواع ( 3 ) مختلفة : منها قوله تعالى : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " [ البقرة : 282 ] قيل : معناه أحضروا . ومنها " شهد " بمعنى قضى أي أعلم ، قاله أبو عبيدة كقوله تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو " ( 4 ) [ آل عمران : 18 ] . ومنها " شهد " بمعنى أقر ، كقوله تعالى : " والملائكة يشهدون " ( 5 ) [ النساء : 166 ] . ومنها " شهد " بمعنى حكم ، قال الله تعالى : " وشهد شاهد من أهلها " ( 6 ) [ يوسف : 26 ] . ومنها " شهد " بمعنى حلف ، كما في اللعان . " وشهد "
--> ( 1 ) يقطع : يعظم . ( 2 ) في ع : موشا بالذهب . ( 3 ) أراد بمعان . ( 4 ) راجع ج 4 ص 40 . ( 5 ) راجع ج 6 ص 19 . ( 6 ) راجع ج 9 ص 172 .