القرطبي
348
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بمعنى وصى ، كقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " . وقيل : معناها هنا الحضور للوصية ، يقال : شهدت وصية فلان أي حضرتها . وذهب الطبري إلى أن الشهادة بمعنى اليمين ، فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان ، واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدى للمشهود له بأنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين . واختار هذا القول القفال . وسميت اليمين شهادة ، لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة . واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تحفظ فتؤدى ، وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين . الثالثة - قوله تعالى : " بينكم " قيل : معناه ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، واستعمل اسما على الحقيقة ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة ، كما قال * يوما شهدناه سليما وعامرا ( 1 ) * أراد شهدنا فيه . وقال تعالى : " بل مكر الليل والنهار " ( 2 ) [ سبأ : 33 ] أي مكركم فيهما . وأنشد : تصافح من لاقيت لي ذا عداوة * صفاحا وعني بين عينيك منزوي أراد ما بين عينيك فحذف ، ومنه قوله تعالى : " هذا فراق بيني وبينك " ( 3 ) [ الكهف : 78 ] أي ما بيني وبينك . الرابعة - قوله تعالى : ( إذا حضر ) معناه إذا قارب الحضور ، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت ( 4 ) . وهذا كقوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " ( 5 ) [ النحل : 98 ] . وكقوله : " إذا طلقتم النساء فطلقوهن " ( 6 ) [ الطلاق : 1 ] ومثله كثير . والعامل في " إذا " المصدر الذي هو " شهادة " . الخامسة - قوله تعالى : ( حين الوصية اثنان ) " حين " ظرف زمان والعامل فيه " حضر " وقوله : " اثنان " يقتضي بمطلقه شخصين ، ويحتمل رجلين ، إلا أنه لما قال بعد ذلك : " ذوا عدل " بين أنه أراد رجلين ، لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر ، كما أن " ذواتا " ( 7 ) [ الرحمن : 48 ] لا يصلح إلا للمؤنث . وارتفع " اثنان " على أنه خبر المبتدأ الذي هو " شهادة "
--> ( 1 ) هذا صدر بيت لرجل من بني عامر ، وتمامه : * قليل سواي الطعن النهال نوافله * وسلم عامر قبيلتان من قيس عيلان . ( 2 ) راجع ج 14 ص 302 . ( 3 ) راجع ج 11 ص 24 . ( 4 ) في ك : لميت . ( 5 ) راجع ج 10 ص 174 . ( 6 ) راجع ج 18 ص 148 . ( 7 ) راجع ج 17 ص 178 .