القرطبي
332
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بقوله [ وكثرة السؤال ] التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا ، وتكلفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات وتشقيق المولدات ، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف ( 1 ) ، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها . قال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا ، وقاله أيضا مالك وقيل : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم . وهذا مثل قوله تعالى : " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا " ( 2 ) [ الحجرات : 12 ] . قال ابن خويزمنداد : ولذلك قال [ بعض ] ( 3 ) أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شئ يشتريه لم يسأل من أين هو ، وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة . قلت : والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها . والله أعلم . ( 4 ) الثالثة - قال ابن العربي : اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك ، لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ، ولا مساءة في جواب نوازل الوقت فافترقا . قلت قوله : اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح ، وإنما كان الأولى به أن يقول : ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل ، لكنه جرى على عادته ، وإنما قلنا كان أولى به ، لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ، ذكره الدارمي في مسنده ، وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الامر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا : لم يكن قال فذروه حتى يكون . وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال :
--> ( 1 ) أي لا يجب إلا ببيان ، قال ابن العربي قوله تعالى : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) يشهد لكونها من باب التكليف الذي لا يبينه إلا نزول القرآن وجعل نزول القرآن سببا لوجوب الجواب . ( 2 ) راجع ج 16 ص 330 . ( 3 ) من ع . ( 4 ) وجد في ى سند عن الشيخة شهدة بنت أبي نصر الدينوري لحادثة تركناه لوروده في ج 10 ص 5 .