القرطبي
333
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا ، قال : دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم . قال الدارمي : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهن " يسألونك عن الشهر الحرام " ( 1 ) [ البقرة : 217 ] ، " ويسألونك عن المحيض " [ البقرة : 222 ] [ وشبهه ] ( 2 ) ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم . الرابعة - قال ابن عبد البر : السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به ، فشفاء العي ( 3 ) السؤال ، ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ، قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة ، وإيضاح سبل النظر ، وتحصيل مقدمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد ، فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ، ونشدت في مظانها ، والله يفتح في صوابها . الخامسة - قوله تعالى : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) فيه غموض ، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال : " وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم " فأباحه لهم ، فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف . قال الجرجاني : الكناية في " عنها " ترجع إلى أشياء أخر ، كقوله تعالى : " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " [ المؤمنون : 12 ] يعني آدم ، ثم قال : " ثم جعلناه نطفة " ( 4 ) [ المؤمنون : 13 ] أي ابن آدم ، لان آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الانسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال ، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم ، فقد أباح هذا النوع من السؤال : ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ،
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 40 وص 80 . ( 2 ) من ك . ( 3 ) العي : الجهل . ( 4 ) راجع ج 12 ص 108 .