القرطبي
326
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - وهو اسم جنس ، والمراد الأشهر الثلاثة ( 1 ) بإجماع من العرب ، فقرر الله في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أي نفسا - ولا يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه . واقتطعوا فيها ثلث الزمان . ووصلوا منها ثلاثة متوالية ، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الامن والاستراحة ، وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام ، وهو شهر رجب الأصم ويسمى مضر ، وإنما قيل له : [ رجب ] ( 2 ) الأصم ، لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد ، ويسمى منصل الأسنة ، لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح ، وهو شهر قريش ، وله يقول عوف ابن الأحوص : وشهر بني أمية والهدايا * إذا سيقت مضرجها الدماء وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله ، أي شهر آل الله ، وكان يقال لأهله الحرم : آل الله . ويحتمل أن يريد شهر الله ، لان الله متنه ( 3 ) وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه . وسيأتي في " براءة " ( 4 ) أسماء الشهور إن شاء الله . ثم يسر لهم الالهام ، وشرع ( 5 ) على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد ، وهي : الرابعة - فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما ، أو علقوا عليه نعلا ، أو فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد - على ما تقدم بيانه أول السورة - لم يروعه أحد حيث لقيه ، وكان الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالاسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام ، فانتظم الدين في سلكه ، وعاد الحق إلى نصابه ، فأسندت الإمامة إليه ، وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " ( 6 ) [ النور : 55 ] الآية . وقد مضى في " البقرة " ( 7 ) أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها . الخامسة - قوله تعالى : ( ذلك لتعلموا ) " ذلك " إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما ، والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد ، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم .
--> ( 1 ) كذا في الأصول وصوابه : الأربعة . ( 2 ) من ب وج وك وه وع . ( 3 ) في ب وج وك وه وز : سنه . ( 4 ) راجع ج 8 ص 132 فما بعدها . ( 5 ) في ب وج وك وه وز : أو شرعا . أي يسر إلهاما أو شرعا . الخ . ( 6 ) راجع ج 12 ص 297 . ( 7 ) راجع ج 1 ص 263 فما بعدها .