القرطبي
317
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التاسعة والعشرون - قوله تعالى : ( ليذوق وبال أمره ) الذوق هنا مستعار كقوله تعالى : " ذق إنك أنت العزيز الكريم " ( 1 ) [ الدخان : 49 ] . وقال : " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف " ( 2 ) [ النحل : 112 ] . وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان ، وهي في هذا كله مستعارة . ومنه الحديث ( ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا ) . الحديث والوبال سوء العاقبة . والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله . وطعام وبيل إذا كان ثقيلا ، ومنه قوله : ( 3 ) * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد * ( 4 ) وعبر بأمره عن جميع حاله . الموفية ثلاثين - قوله تعالى : ( عفا الله عما سلف ) يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد ، قاله عطاء بن أبي رباح وجماعة معه . وقيل : قبل نزول الكفارة . ( ومن عاد ) يعني للمنهي ( 5 ) ( فينتقم الله منه ) أي بالكفارة . وقيل : المعنى " فينتقم الله منه " يعني في الآخرة إن كان مستحلا ، ويكفر في ظاهر الحكم . وقال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أول مرة ، فإذا عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : اذهب ينتقم الله منك ، أي ذنبك أعظم من أن يكفر ، كما أن اليمين الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهله العلم لعظم إثمها . والمتورعون يتقون النقمة بالتكفير . وقد روي عن ابن عباس : يملا ظهره سوطا حتى يموت . وروي عن زيد ابن أبي المعلى : أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه ، ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته ، وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية . قوله تعالى : ( والله عزيز ذو انتقام ) " عزيز " أي منيع في ملكه ، ولا يمتنع عليه ما يريده . " ذو انتقام " ممن عصاه إن شاء . قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ( 96 ) فيه ثلاث عشرة مسألة :
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 151 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 193 . ( 3 ) الشعر لطرفه ، وصدر البيت : * فمرت كهاة ذات خيف جلالة * ( 4 ) اليلندد : الشديد الخصومة . ( 5 ) كذا في ه ، ع : وفي ج ، ى : للنهي .