القرطبي

310

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الرابعة عشرة - ما يجزي من الصيد شيئان : دواب وطير ، فيجزى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ، ففي النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة ، وفي الظبي شاة ، وبه قال الشافعي . وأقل ما يجزي عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية ، وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه ، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام . وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة ، فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك . والدبسي ( 1 ) والفواخت والقمري وذوات الأطواق كله حمام . وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة ، قال : وكذلك حمام الحرم ، قال : وفي حمام الحل حكومة . وقال أبو حنيفة : إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة ، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه ، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله ، فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء ، أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر . وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما في المتلفات يقوم المثل ، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشئ ، فإن المثل هو الأصل في الوجوب ، وهذا بين وعليه تخرج قراءة الإضافة ( فجزاء مثل ) . احتج أبو حنيفة فقال : لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا ، في النعامة بدنة ، وفي الحمار بقرة ، وفي الظبي شاة ، لما أوقفه على عدلين يحكمان به ، لان ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر ، وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه ، ويضطرب وجه النظر عليه . ودليلنا عليه قول الله تعالى : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " الآية . فالمثل يقتضى بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعنى ، ثم قال : " من النعم " فبين جنس المثل ، ثم قال : " يحكم به ذوا عدل منكم " وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم ، لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه ، ثم قال : " هديا بالغ الكعبة " والذي يتصور فيه الهدي مثل المقتول من النعم ، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية ، فصح ما ذكرناه . والحمد لله . وقولهم : لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه على عدلين ، فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر ، وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص .

--> ( 1 ) الدبسي : نوع من الفواخت .