القرطبي

293

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السابعة عشرة - قوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ) تأكيد للتحريم ، وتشديد في الوعيد ، وامتثال للامر ، وكف عن المنهي عنه ، وحسن عطف " وأطيعوا الله " لما كان في الكلام المتقدم معنى انتهوا . وكرر " وأطيعوا " في ذكر الرسول تأكيدا . ثم حذر في مخالفة الامر ، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة ، فقال : " فإن توليتم " أي خالفتم ( فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع . قوله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( 93 ) فيه تسع مسائل : الأولى - قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية . روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر ، فأمر ( 1 ) مناديا ينادي ، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت ! قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت ، فقال : اذهب فأهرقها - وكان الخمر من الفضيخ ( 2 ) - قال : فجرت في سكك المدينة ، فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية . الثانية - هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت " وما كان الله ليضيع إيمانكم " ( 3 ) [ البقرة : 143 ] . ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه

--> ( 1 ) أي النبي صلى الله عليه وسلم . ( 2 ) الفضيخ : شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار ، والمفضوخ هو المشدوخ . ( 3 ) راجع ج 2 ص 157 .