القرطبي
294
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
شئ ، لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح ، لان المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع ، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى ، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ، فرفع الله ذلك التوهم بقوله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية . الثالثة - هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر ، وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه ، لان الصحابة [ رحمهم ( 1 ) الله ] هم أهل اللسان ، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره ، وقد قال الحكمي : لنا خمر وليست خمر كرم * ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا * وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا ، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى اله عليه وسلم قال : [ الزبيب والتمر هو الخمر ] . وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل ، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل . وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر ، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة ، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه . وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب ، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر ، وإنما يسمى نبيذا ، وقال الشاعر : تركت النبيذ لأهل النبيذ * وصرت حليفا لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى * ويفتح للشر أبوابه
--> ( 1 ) من ب وج وك .