القرطبي
288
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لا غير . والرجس يقال للامرين . ومعنى " من عمل الشيطان " أي بحمله عليه وتزيينه . وقيل : هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها . الخامسة - قوله تعالى : " فاجتنبوه " يريد أبعدوه واجعلوه ناحية ، فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور ، واقترنت بصيغة الامر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة ، فحصل الاجتناب في جهة التحريم ، فبهذا حرمت الخمر . ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة " المائدة " نزلت بتحريم الخمر ، وهي مدنية من آخر ما نزل ، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى : " قل لا أجد " ( 1 ) وغيرها من الآي خبرا ، وفي الخمر نهيا وزجرا ، وهو أقوى التحريم وأوكده . روى ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر ، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض ، وقالوا حرمت الخمر ، وجعلت عدلا ( 2 ) للشرك ، يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك . ثم علق " لعلكم تفلحون " فعلق الفلاح بالامر ، وذلك يدل على تأكيد الوجوب . والله أعلم . السادسة - فهم الجمهور من تحريم الخمر ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرجس عليها ، والامر باجتنابها ، الحكم بنجاستها . وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي ، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة ، وأن المحرم إنما هو شربها . وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة ، قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق . والجواب ، أن الصحابة فعلت ذلك ، لأنه لم يكن لهم سروب ( 3 ) ولا آبار يريقونها فيها ، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم . وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت ، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور . وأيضا فإنه يمكن التحرز منها ، فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 115 . ( 2 ) عدل : مثل ونظير . ( 3 ) السرب : حفيرة تحت الأرض .