القرطبي

289

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يعم الطريق كلها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها - هذا - مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق ( 1 ) المدينة ، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها ، وأنه لا ينتفع بها ، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك . والله أعلم . فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه ، ولا يلزم من كون الشئ محرما أن يكون نجسا ، فكم من محرم في الشرع ليس بنجس ، قلنا : قوله تعالى : " رجس " يدل على نجاستها ، فإن الرجس في اللسان النجاسة ، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة ، فإن النصوص فيها قليلة ، فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك ؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة . وسيأتي في سورة " الحج " ( 2 ) ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى . السابعة - قوله : " فاجتنبوه " يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشئ بوجه من الوجوه ، لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك . وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب . وروى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( 3 ) راوية خمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ هل علمت أن الله حرمها ] قال : لا ، قال : فسار رجلا ( 4 ) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ بم ساررته ] قال : أمرته ببيعها ، فقال : [ إن الذي حرم شربها حرم بيعها ] ، قال : ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها ، فهذا حديث يدل على ما ذكرناه ، إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال في الشاة الميتة . [ هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ] الحديث . الثامنة - أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم ، وفي ذلك دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله ، ولذلك - والله أعلم - كره مالك بيع زبل الدواب ، ورخص فيه ابن القاسم لما فيه من المنفعة ، والقياس ما قاله مالك ، وهو مذهب الشافعي ، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك .

--> ( 1 ) في ج وع وك . وفي ا : طريق . ( 2 ) راجع ج 12 ص 53 . ( 3 ) الرواية : القربة التي فيها الخمر سماها مرة براوية ومرة بمزادة وهما بمعنى . وربما قالوا مزاد بغير ( هاء ) كما وقع في بعض النسخ . ( 4 ) في ج وع وك : إنسانا .