القرطبي
287
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وذلك قبل أن تحرم الخمر ، قال : فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشوي [ عندهم ] ( 1 ) وزق من خمر ، قال : فأكلت وشربت معهم ، قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار ، قال : فأخذ رجل لحيي جمل فضربني به فجرح أنفي - وفى رواية ففزره ( 2 ) وكان أنف سعد مفزورا - فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأنزل الله تعالى في - يعني نفسه شأن الخمر - " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " . الثالثة - هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه ، وهذا ما لا خلاف فيه ، يدل عليه آية النساء " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " [ النساء : 43 ] على ما تقدم . وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر ؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما ، فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره ، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ، ولذلك قال الراوي : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه ، لا في حال سكره ولا بعد ذلك ، بل رجع لما قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي على عقبيه القهقري وخرج عنه . وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا : إن السكر حرام في كل شريعة ، لان الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم ، وأصل المصالح العقل ، كما أن أصل المفاسد ذهابه ، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه ، إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه . والله أعلم . الرابعة - قوله تعالى : " رجس " قال ابن عباس في هذه الآية : ( رجس ) سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس . والرجز بالزاي العذاب لا غير ، والركس العذرة
--> ( 1 ) الزيادة عن ( صحيح مسلم ) . ( 2 ) فزره : شقه .