القرطبي
276
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير ، قال ابن العربي : والذي عندي أنها تكون بحسب الحال ، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل ، لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم ، وكذلك الكسوة تليه ، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم . الحادية والعشرون - قوله تعالى : ( إطعام عشرة مساكين ) لا بد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه ، لقوله تعالى : " وهو يطعم ولا يطعم " ( 1 ) [ الانعام : 14 ] وفي الحديث ( أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ) ، ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك ، أصله الكسوة . وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز ، وهو اختيار ابن الماجشون من علمائنا ، قال ابن الماجشون : إن التمكين من الطعام إطعام ، قال الله تعالى : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ( 2 ) [ الانسان : 8 ] فبأي وجه أطعمه دخل في الآية . الثانية والعشرون - قوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قد تقدم في ( البقرة ) ( 3 ) أن الوسط بمعنى الاعلى والخيار ، وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين . ومنه الحديث [ خير الأمور أوسطها ] . وخرج ابن ماجة ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة ، فنزلت : " من أوسط ما تطعمون أهليكم " . وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين . الثالثة والعشرون - الاطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة ، إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبه قال الشافعي وأهل المدينة . قال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ، ورأوا ذلك مجزئا عنهم ، وهو قول ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح . واختلف
--> ( 1 ) راجع ص 396 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 19 ص 125 . ( 3 ) راجع ج 2 ص 153 وما بعدها .