القرطبي

267

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى : " فاصدع بما تؤمر ( 1 ) " [ الحجر : 94 ] . أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى : " قاتلهم الله " ( 2 ) [ التوبة : 30 ] أي قتلهم . وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى ( فاعلت ) كقولهم : سافرت وظاهرت . وقرئ " عقدتم " بتشديد القاف . قال مجاهد : معناه تعمدتم أي قصدتم . وروي عن ابن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر . وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ] فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر . قال أبو عبيد : التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة ، ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا . وهذا قول خلاف الاجماع . روى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين ، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة . قيل : لنافع ما معنى وكد اليمين ؟ قال : أن يحلف على الشئ مرارا . الخامسة - اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا ؟ فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها . وقال الشافعي : هي يمين منعقدة ، لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، مقرونة باسم الله تعالى ، وفيها الكفارة . والصحيح الأول . قال ابن المنذر : وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام ، وهو قول الثوري وأهل العراق ، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور وأبو عبيد ، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة ، قال أبو بكر : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " وقوله : " فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير " يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله ، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله . وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا ، هذا قول الشافعي . قال أبو بكر : ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول ،

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 61 . ( 2 ) راجع ج 8 ص 116 .