القرطبي
268
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والكتاب والسنة دالان على القول الأول ، قال الله تعالى : " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " ( 1 ) [ البقرة : 224 ] قال ابن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير ، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه . والاخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين . قال ابن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة ، وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة . قلت : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال : " الاشراك بالله " قال : ثم ماذا ؟ قال : " عقوق الوالدين " قال : ثم ماذا ؟ قال : [ اليمين الغموس ] قلت : وما اليمين الغموس ؟ قال : [ التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب ] . وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ] فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : [ وإن كان قضيبا من أراك ] ومن حديث عبد الله بن مسعود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من حلف على يمين صبر ( 2 ) يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ] فنزلت " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " ( 3 ) [ آل عمران : 77 ] إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة ، فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه ، ولقي الله وهو عنه راض ، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه ، وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب ، واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين بالله تعالى ، والتهاون بها وتعظيم الدنيا ؟ فأهان ما عظمه الله ، وعظم ما حقره الله وحسبك . ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار . السادسة - الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل ، فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه ، وكذلك إذا قال إن فعلت . وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة ، فإن فعل بر ، وكذلك إن قال إن لم أفعل .
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 96 . ( 2 ) اليمين الصبر التي ألزم بها وأكره عليها . والصبر الاكراه ، يقال : صبر الحاكم فلانا على يمين صبرا أي أكرهه . ( 3 ) راجع ج 4 ص 119 .