القرطبي

265

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والمعنى على هذا القول ، إذا أتيتم ؟ ؟ باليمين ثم ألغيتموها - أي أسقطتم حكمها بالتكفير وكفرتم - فلا يؤاخذكم الله بذلك ، وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه ، أي فلم تكفروا ، فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا . وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال ، وأن تحريم الحلال لغو ، كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل : استحللت شرب الخمر ، فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم ، فقال : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " أي بتحريم الحلال . وروي أن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف ، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل . فقال : أعشيتم ضيفي ؟ فقالوا : انتظرناك ، فقال : لا والله لا آكله الليلة ، فقال ضيفه : وما أنا بالذي يأكل ، وقال أيتامه : ونحن لا نأكل ، فلما رأى ذلك أكل وأكلوا . ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له : " أطعت الرحمن وعصيت الشيطان " فنزلت الآية . الثالثة - الايمان في الشريعة على أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفارة ، وقسمان لا كفارة فيهما . خرج الدارقطني في سننه ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : الايمان أربعة ، يمينان يكفران ويمينان لا يكفران ، فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل ، والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل ، واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل ، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله . قال ابن عبد البر : وذكر سفيان الثوري في ( جامعه ) وذكره المروزي عنه أيضا ، قال سفيان : الايمان أربعة ، يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل ، أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ، ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل ، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل ، قال المروزي : أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان ، وأما اليمينان الاخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما ، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا ، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه