القرطبي
246
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمنا بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 69 ) تقدم الكلام فلا معنى لإعادته . " والذين هادوا " معطوف ، وكذا " والصابئون " معطوف على المضمر في " هادوا " في قول الكسائي والأخفش . قال النحاس : سمعت الزجاج يقول : وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي : هذا خطأ من جهتين ، إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد . والجهة الأخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال . وقال الفراء : إنما جاز الرفع في " والصابئون " لان " إن " ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر ، و " الذين " هنا لا يتبين فيه الاعراب فجرى على جهة واحدة الأمران ( 1 ) ، فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام . قال الزجاج : وسبيل ما يتبين فيه الاعراب وما لا يتبين فيه الاعراب واحد . وقال الخليل وسيبويه : الرفع محمول على التقديم والتأخير ، والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك . وأنشد ( 2 ) سيبويه وهو نظيره : وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق وقال ضابئ البرجمي : فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار ( 3 ) بها لغريب وقيل : " إن " بمعنى " نعم " فالصابئون مرتفع بالابتداء ، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه ، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر . وقال قيس الرقيات :
--> ( 1 ) في ع : فجرى على جهة واحدة ، ألا ترى أن جاز رفع الصابئين الخ . ( 2 ) البيت لبشر بن أبي حازم . والبغاة : جمع باغ وهو الساعي بالفساد . والشقاق : الخلاف . ( 3 ) قيار : قيل اسم جمل ضابئ ، وقيل : اسم فرسه . يقول : من كان بالمدينة بيته ومنزله ، فلست منها ولا لي بها منزل .