القرطبي

244

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فأنزل الله هذه الآية ) وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل : " والله يعصمك من الناس " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عماه ( 1 ) إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا احتاج إلى من يحرسني " . قلت : وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة ، وأن الآية مكية وليس كذلك ، وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع ، ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال : " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة " قالت : فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة ( 2 ) سلاح ، فقال : " من هذا " ؟ قال : سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما جاء بك " ؟ فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام . وفي غير الصحيح قالت : فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح ، فقال : " من هذا " ؟ فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك ، فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ( 3 ) ونزلت هذه الآية ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة آدم وقال : " انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله " . وقرأ أهل المدينة : " رسالاته " على الجمع . وأبو عمرو وأهل الكوفة : " رسالته " على التوحيد ، قال النحاس : والقراءتان حسنتان والجمع أبين ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه ، والافراد يدل على الكثرة ، فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( 4 ) [ إبراهيم : 34 ] . ( إن الله لا يهدى القوم الكافرين ) أي لا يرشدهم وقد تقدم . وقيل : أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا . نظيره " ما على الرسول إلا البلاغ " ( 5 ) [ المائدة : 99 ] والله أعلم .

--> ( 1 ) من ك وع وج . ( 2 ) خشخشة سلاح : أي صوت سلاح صدم بعضه بعضا . ( 3 ) الغطيط : هو صوت النائم المرتفع . ( 4 ) راجع ج 9 ص 367 . ( 5 ) راجع ص 327 من هذا الجزء .