القرطبي
202
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : ولا تعارض بين الحديثين ، فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر الله قسمهما . وفى هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر ( 1 ) إن شاء الله تعالى . [ فنسأل الله التثبت على الايمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة ] ( 2 ) . الثالثة والعشرون - أجمع العلماء على أن قوله تعالى : " والسن بالسن " أنه في العمد ، فمن أصاب سن أحد عمدا ففيه القصاص على حديث أنس . واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدا ، فقال مالك : عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة ، ففي ذلك الدية . وقال الكوفيون : لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن ، لقوله تعالى : " والسن بالسن " وهو قول الليث والشافعي . قال الشافعي : لا يكون كسر ككسر أبدا ، فهو ممنوع . قال الطحاوي : اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس ، فكذلك في سائر العظام . والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم ، فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه ، لخوف ذهاب النفس منه . قال ابن المنذر : ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث ، والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر . قلت : ويدل على هذا أيضا قوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( 3 ) [ البقرة : 194 ] ، وقوله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " ( 4 ) [ النحل : 126 ] وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي . [ والله ( 2 ) أعلم ] وبالله التوفيق . الرابعة والعشرون - قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة ، وما جاء عن غيره في الشجاج . قال الأصمعي وغيره : دخل كلام بعضهم في بعض ، أول الشجاج - الحارصة وهي : التي تحرص الجلد - يعني التي تشقه قليلا - ومنه قيل : حرص القصار الثوب إذا شقه ، وقد يقال لها : الحرصة أيضا . ثم الباضعة - وهي : التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد . ثم المتلاحمة - وهي : التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق .
--> ( 1 ) هي قصته المشهورة مع سيدنا موسى عليهما السلام وستأتي في سورة ( الكهف ) إن شاء الله . ج 11 ص 16 فما بعد . ( 2 ) من ع . ( 3 ) راجع ج 2 ص 354 . ( 4 ) راجع ج 10 ص 200