القرطبي

189

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" بسم الله الرحمن الرحيم " . " هادوا " أي تابوا من الكفر . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار ، أي ويحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره ، عن ابن عباس وغيره . وقد تقدم في آل عمران ( 1 ) . وقال أبو رزين : الربانيون العلماء الحكماء والأحبار . قال ابن عباس : هم الفقهاء : والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من الحبير وهو التحسين ، فهم يحبرون العلم أي يبينونه ويزينونه ، وهو محبر في صدورهم . قال مجاهد : الربانيون فوق العلماء . والألف واللام للمبالغة . قال الجوهري : والحبر والحبر واحد أحبار اليهود ، وبالكسر أفصح : لأنه يجمع على أفعال دون ( 2 ) الفعول ، قال الفراء : هو حبر بالكسر يقال ذلك للعالم . وقال الثوري : سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا ؟ فقال : يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال : " واسأل القرية " ( 3 ) [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية . قال : فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشئ ، إنما سمي حبرا لتأثيره ، يقال : على أسنانه حبر ( 4 ) أي صفرة أو سواد . وقال أبو العباس : سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به . وقال أبو عبيد : والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه . قال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح ، والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر . والحبر أيضا الأثر والجمع حبور ، عن يعقوب . ( بما استحفظوا من كتاب الله ) أي استودعوا من علمه . والباء متعلقة ب‍ " - الربانيين والأحبار " كأنه قال : والعلماء بما استحفظوا . أو تكون متعلقة ب‍ " - يحكم " أي يحكمون بما استحفظوا . ( وكانوا عليه شهداء ) أي على الكتاب بأنه من عند الله . ابن عباس : شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة ( فلا تخشوا الناس ) أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإظهار الرجم ( واخشون ) أي في كتمان ذلك ، فالخطاب لعلماء اليهود . وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره . وتقدم معنى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " مستوفى ( 5 ) .

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 122 . ( 2 ) في القاموس : ج أحبار وحبور . ( 3 ) راجع ج 9 ص 245 . ( 4 ) في ج وع وك : حبرة . في المصباح : الحبر بفتحتين صفرة أخ . ( 5 ) راجع ج 1 ص 334 .