القرطبي
190
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( الظالمون ) و ( الفاسقون ) نزلت كلها في الكفار ، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء ، وقد تقدم . وعلى هذا المعظم . فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة . وقيل : فيه إضمار ، أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن ، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر ، قاله ابن عباس ومجاهد ، فالآية عامة على هذا . قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له ، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له . وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار . وقيل : أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأول ، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة ، واختاره النحاس ، قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء ، منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله : " للذين هادوا " ، فعاد الضمير عليهم ، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ، ألا ترى أن بعده " وكتبنا عليهم " فهذا الضمير لليهود بإجماع ، وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص . فإن قال قائل : " من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها ؟ قيل له : " من " هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة ، والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، فهذا من أحسن ما قيل في هذا ، ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل ؟ قال : نعم هي فيهم ، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل . وقيل : " الكافرون " للمسلمين ، و " الظالمون " لليهود ، و " الفاسقون " للنصارى ، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنه ظاهر الآيات . وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعب أيضا . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ، ولكنه كفر دون كفر ، ( 1 )
--> ( 1 ) قال في البحر : يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر . قلت : هو كفر النعمة عند الأباضية .