القرطبي
179
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه وسلم ، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة . واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا ، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأن الاسلام ليس شرطا في الاحصان . فهذه مسائل أربع . فإذا ترافع أهل الذمة إلى الامام ، فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف . وأما إذا لم يكن كذلك فالامام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي ، غير أن مالكا رأى الاعراض [ عنهم ] ( 1 ) أولى ، فإن حكم حكم [ بينهم ] ( 2 ) بحكم الاسلام . وقال الشافعي : لا يحكم بينهم في الحدود . وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال ، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والحكم ، وروي عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي ، لقوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] على ما يأتي بيانه [ بعد ] ( 3 ) ، احتج مالك بقوله تعالى : " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " [ المائدة : 42 ] وهي نص في التخيير . قال ابن القاسم : إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير ، لان إنفاذ الحكم حق للأساقفة . والمخالف يقول : لا يلتفت إلى الأساقفة . قال ابن العربي : وهو الأصح ، لان مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ ، ولم يعتبر رضا الحاكم . فالكتابيون بذلك أولى . وقال عيسى عن ابن القاسم : لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب . قال ابن العربي : وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك ، وكانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . واسم المرأة الزانية بسرة ، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم اسألوا محمدا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه [ منه ] ( 4 ) واقبلوه ، وإن أفتاكم به فاحذروه ( 3 ) ، الحديث . قال ابن العربي : وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا ، وإن لم يكن عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم ، فلا حجة لرواية عيسى في هذا ، وعنهم أخبر الله تعالى بقوله : " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع ، فكل من حكم رجلا في الدين وهي : الثالثة - فأصله هذه الآية . قال مالك : إذا حكم رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه ، إلا أن يكون جورا بينا . وقال سحنون : يمضيه إن رآه [ صوابا ] ( 5 ) . قال
--> ( 1 ) من ج وه وع . ( 2 ) من ع وك . ( 3 ) من ك وع . ( 4 ) من ج وك وه وع . ( 5 ) من ع وك .