القرطبي
180
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن العربي : وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب ، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان ، والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه ، وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ، ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج ( 1 ) الحمر ، فلا بد من فاصل ، فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج ، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة . وقال الشافعي وغيره : التحكيم جائز وإنما هو فتوى . وقال بعض العلماء : إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم ، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به ، ألا ترى أنه قال : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) وأن ذلك كان حين قدم المدينة ، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك . وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالاجماع ، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به . وقد يحتمل أن بكون حصول طريق العلم بذلك الوحي ، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا ، فبين له [ النبي ] ( 2 ) صلى الله عليه وسلم ، وأخبر بمشروعية الرجم ، ومبدؤه ذلك الوقت ، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة ، وبين أن ذلك حكم شريعته ، وأن التوراة حكم الله سبحانه ، لقوله تعالى : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا " [ المائدة : 44 ] ( 3 ) وهو من الأنبياء . وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ) والله أعلم . الرابعة - والجمهور على رد شهادة الذمي ، لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على مسلم ولا على كافر ، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة . فإن قيل : فقد حكم بشهادتهم ورجم الزانيين ( 4 ) : فالجواب ، أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به ، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة عليهم ، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم ، فكان منفذا لا حاكما ( 5 ) . وهذا على التأويل الأول ، وعلى
--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) من ك ، ع . ( 3 ) راجع ص 88 ، ص 349 من هذا الجزء ، ( 4 ) في ع : في رجم . ( 5 ) في ك وع : منفذا لأحكامها .