القرطبي
130
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إلى المكان الذي ابتدأوا منه . وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة . " أربعين " ظرف زمان للتيه ، في قول الحسن وقتادة ، قالا : ولم يدخلها أحد منهم ، فالوقف على هذا على " عليهم " . وقال الربيع ابن أنس وغيره : إن " أربعين سنة " ظرف للتحريم ، فالوقف على هذا على " أربعين سنة " ، فعلى الأول إنما دخلها أولادهم ، قاله ابن عباس . ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب ، فخرج منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها . وعلى الثاني - فمن بقي منهم بعد أربعين سنة دخلوها . وروي عن ابن عباس أن موسى وهارون ماتا في التيه . قال غيره : ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين ، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة ، وفيها أحرق الذي وجد الغلول عنده ، وكانت تنزل من السماء إذا غنموا نار بيضاء فتأكل الغنائم ، وكان ذلك دليلا على قبولها ، فإن كان فيها غلول لم تأكله ، وجاءت السباع والوحوش فأكلته ، فنزلت النار فلم تأكل ما غنموا فقال : إن فيكم الغلول فلتبايعني كل قبيلة فبايعته ، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال : فيكم الغلول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلا رجلا حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال : عند الغلول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب ( 1 ) ، فنزلت النار فأكلت الغنائم . وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون ، فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن غور عاجز ، عرف باسم الغال ، وكان اسمه عاجزا . قلت : ويستفاد من هذا عقوبة الغال قبلنا ، وقد تقدم حكمه ( 2 ) في ملتنا . وبيان ما انبهم من اسم النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( غزا نبي من الأنبياء ) الحديث أخرجه مسلم وفيه قال : ( فغزا فأدنى للقرية ( 3 ) حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم أحبسها ( 4 ) على شيئا
--> ( 1 ) كقدره أو كصورته من ذهب كان غله وأخفاه . ( 2 ) راجع ج 4 ص 254 وما بعدها . ( 3 ) لفظ البخاري ( فذنا من القرية ) ولعل ما هنا على حذف المفعول أي قرب جيوشه وجموعه لها . النووي . ( 4 ) أي امنعها من السير زمانا حتى يتيسر لي الفتح نهارا .