القرطبي
129
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ : " فافرق " بكسر الراء . قوله تعالى : " قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة . وأصل التيه في اللغة الحيرة ، يقال منه : تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير . وتيهته وتوهته بالياء والواو ، والياء أكثر . والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها ، وأرض تيه وتيهاء ومنها قال : ( 1 ) * تيه أتاويه على السقاط * وقال آخر : بتيهاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة - قيل : في قدر ستة فراسخ - يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا ، فكانوا سيارة لا قرار لهم . واختلف هل كان معهم موسى وهارون ؟ فقيل : لا ، لان التيه عقوبة ، وكانت سنو ( 2 ) التيه بعدد أيام العجل ، فقوبلوا على كل يوم سنة ، وقد قال : " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " . وقيل : كانا معهم لكن سهل الله الامر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم . ومعنى " محرمة " أي أنهم ممنوعون من دخولها ، كما يقال : حرم الله وجهك على النار ، وحرمت عليك دخول الدار ، فهو تحريم منع لا تحريم شرع ، عن أكثر أهل التفسير ، كما قال الشاعر : جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعي عليك حرام أي أنا فارس فلا يمكنك صرعى . وقال أبو علي : يجوز أن يكون تحريم تعبد . ويقال : كيف يجوز على جماعة كثيرة ( 3 ) من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها ؟ فالجواب - قال أبو علي : قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم
--> ( 1 ) هو العجاج . يصف أرضا مجهولة ليس بها علامات يهتدي بها ، وأتاويه أفاعيل من تيه . والسقاط كل من سقط عليه ، وهم الذين لا يصبرون ولا يجدون الواحد ساقط : وصدر البيت : * وبسطه بسعة البساط * والبساط المكان الواسع من الأرض . وقيل هذا البيت : وبلدة بعيدة النياط * مجهولة تغتال خطو الخاطى ( 2 ) في ج ، سنون . ( 3 ) في ج : كبيرة .