القرطبي

87

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

( منكم ) واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس . وقال السدي وقتادة وغيرهما : الأولى في النساء المحصنات . يريد : ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى ، والثانية في الرجل والمرأة البكرين . قال ابن عطية : ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه . وقد رجحه الطبري ، وأباه النحاس وقال : تغليب المؤنث على المذكر بعيد ، لأنه لا يخرج الشئ إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة . وقيل : كان الامساك للمرأة الزانية دون الرجل ، فخصت المرأة بالذكر في الامساك ثم جمعا في الايذاء . قال قتادة : كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا ، وهذا لان الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب . الرابعة - واختلف العلماء أيضا في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان لاحكام الزناة على ما بيناه ، فقال بمقتضاه علي بن أبي طالب لا اختلاف عنه في ذلك ، وأنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك ، وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي وإسحاق . وقال جماعة من العلماء : بل على الثيب الرجم بلا جلد . وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور ، متمسكين بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ( 1 ) ولم يجلدهما ، وبقوله عليه السلام لأنيس : ( اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ولم يذكر الجلد ، فلو كان مشروعا لما سكت عنه . قيل لهم : إنما سكت عنه ، لأنه ثابت بكتاب الله تعالى ، فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن ، لان قوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) يعم جميع الزناة . والله أعلم . ويبين هذا فعل علي بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له : عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ . وهذا واضح . الخامسة - واختلفوا في نفي البكر مع الجلد ، فالذي عليه الجمهور أنه ينفى مع الجلد ، قاله الخلفاء الراشدون : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وهو قول ابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين ، وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور .

--> ( 1 ) الغامدية بالمعجمة : نسبة إلى غامد من جهينة .