القرطبي
86
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
النون ، وهي لغة قريش ، وعلته أنه جعل التشديد عوضا من ألف ( ذا ) على ما يأتي بيانه في سورة ( القصص ) عند قوله تعالى : ( فذانك برهانان ( 1 ) ) . وفيها لغة أخرى ( اللذا ) بحذف النون ( 2 ) . هذا قول الكوفيين . وقال البصريون : إنما حذفت النون لطول الاسم بالصلة . وكذلك قرأ ( هذان ) و ( فذانك برهانان ) بالتشديد فيهما . والباقون بالتخفيف . وشدد أبو عمرو ( فذانك برهانان ) وحدها . و ( اللذان ) رفع بالابتداء . قال سيبويه : المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها ، أي الفاحشة ( منكم ) . ودخلت الفاء في ( فآذوهما ) لان في الكلام معنى الامر ، لأنه لما وصل الذي بالفعل تمكن فيه معنى الشرط ، إذ لا يقع عليه شئ بعينه ، فلما تمكن الشرط والابهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء ، ولم يعمل فيه ما قبله من الاضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله ، فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما لينصبا رفعا بالابتداء ، وهذا اختيار سيبويه . ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل ، وهو الاختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي نحو قولك : اللذين عندك فأكرمهما . الثانية - قوله تعالى : ( فآذوهما ) قال قتادة والسدي : معناه التوبيخ والتعيير . وقالت فرقة : هو السب والجفاء دون تعيير . ابن عباس : النيل باللسان والضرب بالنعال . قال النحاس : وزعم قوم أنه منسوخ . قلت : رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : ( واللاتي يأتين الفاحشة ) و ( اللذان يأتيانها ) كان في أول الأمر فنسختهما الآية التي في ( النور ( 3 ) ) . قاله النحاس : وقيل وهو أولى : إنه ليس بمنسوخ ، وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما : فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل . الثالثة - واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى : ( واللاتي ) وقوله : ( واللذان ) فقال مجاهد وغيره : الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات ، والآية الثانية في الرجال خاصة . وبين لفظ ( 4 ) التثنية صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن ، فعقوبة النساء الحبس ، وعقوبة الرجال الأذى . وهذا قول يقتضيه اللفظ ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة . ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى : ( من نسائكم ) وفي الثانية
--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 285 ( 2 ) في ز : اللذا بحذف النون اللذان بفتح النون . كذا . ( 3 ) راجع ج 12 ص 195 ( 4 ) في ج وط وى : بلفظ .