القرطبي

85

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثامنة - واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو توعدا بالحد على قولين : أحدهما - أنه توعد بالحد ، والثاني - أنه حد ، قاله ابن عباس والحسن . زاد ابن زيد : وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه . وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد ، غير أن ذلك الحكم كان ممدودا ( 1 ) إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى ، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل ، وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) . وهذا نحو قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ( 2 ) ) فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين ، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما ، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير ( 3 ) والجلد والرجم ، وقد قال بعض العلماء : أن الأذى والتعيير ( 3 ) باق مع الجلد ، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد . وأما الحبس فمنسوخ بإجماع ، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز . والله أعلم . قوله تعالى : والذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ان الله كان توابا رحيما ( 16 ) فيه سبع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( واللذان ) ( اللذان ) تثنية الذي ، وكان القياس أن يقال : اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان . قال سيبويه : حذفت الياء ليفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات . وقال أبو علي : حذفت الياء تخفيفا ، إذ قد أمن اللبس في اللذان ، لان النون لا تنحذف ، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم ، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين . وقرأ ابن كثير ( اللذان ) بتشديد

--> ( 1 ) كذا في ابن العربي . والأصول : كان محدودا . كلاهما ممدود . ( 3 ) راجع ج 2 ص 321 ( 3 ) في ج : التعزير .