القرطبي

74

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية . وروى الدارقطني من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدين قبل الوصية وليس لوارث وصية ) . رواه عنهما أبو إسحاق الهمداني . فالجواب من أوجه خمسة : الأول - إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما ، فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ . جواب ثان - لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمها اهتماما بها ، كما قال تعالى : ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ( 1 ) ) . جواب ثالث - قدمها لكثرة وجودها ووقوعها ، فصارت كاللازم لكل ميت مع نص الشرع عليها ، وأخر الدين لشذوذه ، فإنه قد يكون وقد لا يكون . فبدأ بذكر الذي لا بد منه ، وعطف بالذي قد يقع أحيانا . ويقوى هذا : العطف بأو ، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو . جواب رابع - إنما قدمت الوصية إذ هي حظ مساكين وضعفاء ، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال . جواب خامس - لما كانت الوصية ينشئها ( 2 ) من قبل نفسه قدمها ، والدين ثابت مؤدى ذكره أو لم يذكره . الثانية والعشرون - ولما ثبت هذا تعلق الشافعي بذلك في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث فقال : ان الرجل إذا فرط في زكاته وجب أخذ ذلك من رأس ماله . وهذا ظاهر ببادئ الرأي ، لأنه حق من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي . وقال أبو حنيفة ومالك : إن أوصى بها أديت من ثلثه ، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شئ . قالوا : لان ذلك موجب لترك الورثة فقراء ، إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك جميع ماله فلا يبقى للورثة حق . الثالثة والعشرون - قوله تعالى : ( آباؤكم وأبناؤكم ) رفع بالابتداء والخبر مضمر ، تقديره : هم المقسوم عليهم وهم المعطون . الرابعة والعشرون - قوله تعالى : ( لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) قيل : في الدنيا بالدعاء والصدقة ، كما جاء في الأثر ( إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده ) . وفي الحديث الصحيح

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 418 ( 2 ) كذا في الأصول الاد : يثبتها ، وز : ثبتها .