القرطبي
59
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الرابعة - ( يوصيكم الله في أولادكم ) قالت الشافعية : قوله تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم ) حقيقة في أولاد الصلب ، فأما يدخل فيه بطريق المجاز ، فإذا حلف ( 1 ) أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث ، وإذا أوصى لولد فلان لم يدخل فيه ولد ولده . وأبو حنيفة يقول : انه يدخل فيه ان لم يكن له ولد صلب . ومعلوم أن الا لفاظ لا تتغير ( 2 ) بما قالوه . الخامسة - قال ابن المنذر : لما قال تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم ) فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد ، المؤمن منهم والكافر ، فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يرث المسلم الكافر علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض ، فلا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث ( 3 ) . قلت : ولما قال تعالى : ( في أولادكم ) دخل فيهم ( 4 ) الأسير في أيدي الكفار ، فإنه يرث ما دام تعلم حياته على الاسلام . وبه قال كافة أهل العلم ، إلا النخعي فإنه قال : لا يرث الأسير . فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود . ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) . وسيأتي بيانه في ( مريم ( 5 ) ) إن شاء الله تعالى . وكذلك لم يدخل القاتل عمدا لأبيه أوجده أو أخيه أو عمه بالسنة وإجماع الأمة ، وأنه لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئا ، على ما تقدم بيانه في البقرة ( 6 ) . فإن قتله خط فلا ميراث له من الدية ، ويرث من المال في قول مالك ، ولا يرث في قول الشافعي وأحمد وسفيان وأصحاب الرأي ، من المال ولا من الدية شيئا ، حسبما تقدم بيانه في البقرة ( 6 ) . وقول مالك أصح ، وبه قال إسحاق وأبو ثور . وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهري والأوزاعي وابن المنذر ، لان ميراث من ورثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع . وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث .
--> ( 1 ) في ى : حلف له . ( 2 ) في ز : لا تعتبر . ( 3 ) هذا ما عليه الجمهور ، وبعض يرى أن المسلم يرث الكافر وبه قضى معاذ ومعاوية حتى قال بعض : ما أحسن ما قضى به معاوية ترث أهل الكتاب ولا يرثونا كما تنكح منهم ولا ينكحون منا . راجع فتح الباري ج 12 ص 43 ط بولاق . ( 4 ) في ب وى : فيهم . وفي غيرهما : فيه . ( 5 ) راجع ج 11 ص 78 ( 6 ) راجع ج 1 ص 456