القرطبي

426

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : الا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ( 146 ) استثناء ممن نافق . ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله ، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذا ، ويخلص دينه لله ، كما نصت عليه هذه الآية ، وإلا فليس بتائب ، ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف ( 1 ) لانضمام المنافقين إليهم . والله أعلم . روى البخاري ( 2 ) عن الأسود قال : كنا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال : لقد نزل النفاق على قوم خير منكم ، قال الأسود : سبحان الله ! إن الله تعالى يقول : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) . فتبسم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد ، فقام عبد الله فتفرق أصحابه فرماني بالحصى فأتيته . فقال حذيفة : عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت : لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم . وقال الفراء : معنى ( فأولئك مع المؤمنين ) أي من المؤمنين . وقال القتبي : حاد عن كلامهم غضبا عليهم ( 3 ) فقال : ( فأولئك مع المؤمنين ) ولم يقل : هم المؤمنون . وحذفت الياء من ( يؤت ) في الخط كما حذفت في اللفظ ، لسكونها وسكون اللام بعدها ، ومثله ( يوم يناد المنادي ( 4 ) ) و ( سندع الزبانية ) و ( يوم يدع الداعي ) حذفت الواوات لالتقاء الساكنين . قوله تعالى : ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ( 147 ) استفهام بمعنى التقرير للمنافقين . التقدير : أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم ، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن ، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه ، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه . وقال مكحول : أربع من كن فيه كن له ، وثلاث من كن

--> ( 1 ) في ج : التسوية . ( 2 ) في ج : ومسلم . ( 3 ) كذا في الأصول . وفى البحر : لم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون الخ . تنفيرا مما كانوا عليه من عظم كفر النفاق . ( 4 ) راجع ج 17 ص 26 وص 125 وج 20 ص 126