القرطبي

418

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

على الآيات ، والمراد سماع الكفر والاستهزاء ، كما تقول : سمعت عبد الله يلام ، أي سمعت اللوم في عبد الله . قوله تعالى : ( فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي غير الكفر . ( انكم إذا مثلهم ) فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر ، لان من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضا بالكفر كفر ، قال الله عز وجل : ( إنكم إذا مثلهم ) . فكل من جلس في مجلس ( 1 ) معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز [ رضي الله عنه ( 2 ) ] أنه أخذ قوما يشربون الخمر ، فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم ، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية ( إنكم إذا مثلهم ) أي إن الرضا بالمعصية معصية ، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم . وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة ، كما قال : * فكل قرين بالمقارن يقتدي * وقد تقدم ( 3 ) . وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى . وقال الكلبي : قوله تعالى ( فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) نسخ بقوله تعالى : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ( 4 ) ) . وقال عامة المفسرين : هي محكمة . وروى جويبر عن الضحاك قال : دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة . قوله تعالى : ( ان الله جامع المنافقين ) الأصل ( جامع ) بالتنوين فحذف استخفافا ، فإنه بمعنى يجمع . ( الذين يتربصون بكم ) يعني المنافقين ، أي ينتظرون بكم الدوائر .

--> ( 1 ) في ج : موضع . ( 2 ) من ج وط . ( 3 ) راجع ص 194 من هذا الجزء . ( 4 ) راجع ج 6 ص 431