القرطبي

394

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثامنة - قلت : ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ) أخرجه مسلم . فنهى صلى الله عليه وسلم عن وصل المرأة شعرها ، وهو أن يضاف إليه شعر آخر بكثر به ، والواصلة هي التي تفعل ذلك ، والمستوصلة هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها . مسلم عن جابر قال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها ( 1 ) شيئا . وخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن لي ابنة عريسا ( 2 ) أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله ؟ فقال : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة ) . وهذا كله نص في تحريم وصل الشعر ، وبه قال مالك وجماعه العلماء . ومنعوا الوصل بكل شئ من الصوف والخرق وغير ذلك ، لأنه في معنى وصله ( 3 ) بالشعر . وشذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق وما ليس بشعر ، وهذا أشبه بمذهب أهل الظاهر . وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس وقالوا : إنما جاء النهي عن الوصل خاصة ، وهذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى . وشذ قوم فأجازوا الوصل مطلقا ، وهو قول باطل قطعا ترده الأحاديث . وقد روي عن عائشة رضي الله عنها ولم يصح . وروي عن ابن سيرين أنه سأله رجل فقال : إن أمي كانت تمشط النساء ، أتراني آكل من مالها ؟ فقال : إن كانت تصل فلا . ولا يدخل في النهي ما ربط [ منه ( 4 ) ] بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل ، والله أعلم . التاسعة - وقالت طائفة : المراد بالتغيير لخلق الله هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات ، ليعتبر بها وينتفع بها ، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة . قال الزجاج : إن الله تعالى خلق الانعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم ، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها ، فقد غيروا ما خلق الله . وقاله جماعة من أهل التفسير : مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة . وروي عن ابن عباس ( فليغيرن خلق الله ) دين الله ، وقاله النخعي ، واختاره الطبري قال : وإذا كان ذلك معناه

--> ( 1 ) هكذا في الأصول . وفى صحيح مسلم : ( برأسها ) . ( 2 ) مريسا ( بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة ) تصغير عروس والعريس يقع على المرأة والرجل عند الزواج . وتمرق : اتتثر وتساقط . ( 3 ) في ج : وصل الشعر . ( 4 ) من ج ، ط .