القرطبي

321

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها . وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال . وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام ، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ، ثم جاء الاسلام فجرى الامر على ذلك حتى جعل عمر الديوان . واتفق الفقهاء عل رواية ذلك والقول به . وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يدا ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو . الثامنة - قلت : ومما ينخرط في سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قتل الجنين في بطن أمه ، وهو أن يضرب بطن أمه فتلقيه حيا ثم يموت ، فقال كافة العلماء : فيه الدية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة . وقيل : بغير قسامة . واختلفوا فيما به تعلم حياته بعد اتفاقهم على أنه إذا استهل صارخا أو ارتضع أو تنفس نفسا محققة حي ، فيه الدية كاملة ، فإن تحرك فقال الشافعي وأبو حنيفة : الحركة تدل على حياته . وقال مالك : لا ، إلا أن يقارنها طول إقامة . والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحكم سواء . فإن ألقته ميتا ففيه غرة ( 1 ) : عبد أو وليدة . فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شئ فيه . وهذا كله إجماع لا خلاف فيه . وروي عن الليث بن سعد وداود أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها : ففيه الغرة ، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها ، المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير . وقال سائر الفقهاء : لا شئ فيه إذا خرج ميتا من بطنها بعد موتها . قال الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء بأن قال : قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شئ فيه ، فكذلك إذا سقط بعد موتها . التاسعة - ولا تكون الغرة إلا بيضاء . قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في الجنين غرة عبد أو أمة ) - لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد

--> ( 1 ) الغرة : العبد نفسه أو الأمة ، وسيأتي الكلام فيها في المسألة التاسعة .