القرطبي

322

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بالغرة معنى لقال : في الجنين عبد أو أمة ، ولكنه عنى البياض ، فلا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء ، ، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء . واختلف العلماء في قيمتها ، فقال مالك : تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم ، نصف عشر دية الحر المسلم ، وعشر دية أمه الحرة ، وهو قول ابن شهاب وربيعة وسائر أهل المدينة . وقال أصحاب الرأي : قيمتها خمسمائة درهم . وقال الشافعي : سن الغرة سبع سنين أو ثمان سنين ، وليس عليه أن يقبلها معيبة . ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الام ، من الذهب عشرون دينارا إن كانوا أهل ذهب ، ومن الورق - إن كانوا أهل ورق - ستمائة درهم ، أو خمس فرائض ( 1 ) من الإبل . قال مالك وأصحابه : هي في مال الجاني ، وهو قول الحسن بن حي . وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : هي على العاقلة . وهو أصح ، لحديث المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار - في رواية فتغايرتا - فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ، فاختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلان فقالا ( 2 ) : ندي من لا صاح ولا أكل ، ولا شرب [ ولا استهل ، فمثل ذلك يطل ( 3 ) ! ] ، فقال : ( أسجع كسجع ( 4 ) الاعراب ) ؟ فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة . وهو حديث ثابت صحيح ، نص في موضع الخلاف يوجب الحكم . ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة كان الجنين كذلك في القياس والنظر . واحتج علماؤنا بقول الذي قضي عليه : كيف أغرم ؟ قالوا : وهذا يدل على أن الذي قضي عليه معين وهو الجاني . ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة لقال : فقال الذي ( 5 ) قضى عليهم . وفى القياس أن كل جان جنايته عليه ، إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له ، مثل إجماع لا يجوز خلافه ، أو نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها ، فيجب الحكم بها ، وقد قال الله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ( 6 ) ) .

--> ( 1 ) الفرائض : جمع فريضة ، وهو البعير المأخوذ في الزكاة ، سمى فريضة لأنه فرض واجب على رب المال ، اتسع فيه حتى سمى البعير فريضة في غير الزكاة . ( 2 ) في سنن أبي داود : ( فقال أحد الرجلين ) . ( 3 ) زيادة عن كتب الحديث لا يستقيم الكلام بدونها . ويطل : يهدر دمه . ( 4 ) قال الخطابي : لم يعبه بمجرد السجع بل بما تضمنه سجعه من الباطل . ( 5 ) كذا في الأصول . ( 6 ) راجع ج 7 ص 156