القرطبي
294
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - قوله تعالى : ( عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) إطماع ، والأطماع من الله عز وجل واجب . على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب ، ومنه قوله تعالى : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ( 1 ) . وقال ابن مقبل : ظني بهم كعسى وهم بتنوفة ( 2 ) * يتنازعون جوائز ( 3 ) الأمثال قوله تعالى : ( والله أشد بأسا ) أي صولة وأعظم سلطانا وأقدر بأسا على ما يريده . ( وأشد تنكيلا ) أي عقوبة ، عن الحسن وغيره . قال ابن دريد : رماه الله بنكلة ، أي رماه بما ينكلة . قال : ونكلت بالرجل تنكيلا من النكال . والمنكل الشئ الذي ينكل بالانسان . قال : * وارم على أقفائهم بمنكل ( 4 ) * الثالثة - إن قال قائل : نحن نرى الكفار في بأس وشدة ، وقلتم : إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد ؟ قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد ، فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى ، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال ( وكفى الله المؤمنين القتال ( 5 ) وبالحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة ، ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى ، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح ، وهو المراد بقوله تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم ( 6 ) ) على ما يأتي . وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال ، كما قال تعالى ( وكفى الله المؤمنين القتال ) . وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم ، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين ، مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين ( 7 ) ، فكف الله بأسهم عن المؤمنين . والحمد لله رب العالمين .
--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 111 . ( 2 ) التنوفة : القفر من الأرض . ( 3 ) كذا في ز ، واللسان مادة عسا ، وفى الأصول الأخرى : ( خزائن الأموال ) . ( 4 ) هذا صدر بيت ، وعجزه : * بصخرة أو عرض جيش جحفل * ( 5 ) راجع ج 14 ص 160 . ( 6 ) راجع ج 16 ص 280 . ( 7 ) الداخر : الذليل المهين .