القرطبي

295

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا ( 85 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( من يشفع ) أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد ، ومنه الشفيع ، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا . ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة . وناقة شفيع ( 1 ) إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها . والشفع ضم واحد إلى واحد . والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك ، فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له . الثانية - واختلف المتأولون في هذه الآية ، فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم ، فمن يشفع لينفع فله نصيب ، ومن يشفع ليضر فله كفل . وقيل : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة ، والسيئة في المعاصي . فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الاجر ، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم ، وهذا قريب من الأول . وقيل : يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين ، والسيئة الدعاء عليهم . وفي صحيح الخبر : ( من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل ( 2 ) ) . هذا هو النصيب ، وكذلك في الشر ، بل يرجع شؤم دعائه عليه . وكانت اليهود تدعو على المسلمين . وقيل : المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الاجر ، ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر . وعن الحسن أيضا : الحسنة ما يجوز في الدين ، والسيئة ما لا يجوز فيه . وكأن هذا القول جامع . والكفل الوزر والاثم ، عن الحسن وقتادة . السدى وابن زيد هو النصيب . واشتقاقه من الكساء ( 3 ) الذي يحويه راكب البعير على سنامه

--> ( 1 ) كذا في الأصول والذي في كتب اللغة : وناقة شافع الخ وشاة شفوع وشافع شفعها ولدها . ( 2 ) كذا في الأصول ، والحديث ( من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل ) رواية مسلم ، وفي رواية : ( استجيب له ) . ( 3 ) وفى البحر : مستعار من كفل البعير وهو كساء . الخ .