القرطبي

259

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه ثلاث مسائل : الأولى - لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل ، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته عز وجل أولا ، وهي امتثال أو امره واجتناب نواهيه ، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه ، ثم بطاعة الامراء ثالثا ، على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم . قال سهل بن عبد الله التستري : أطيعوا السلطان في سبعة : ضرب الدراهم والدنانير ، والمكاييل والأوزان ، والاحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد . قال سهل : وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي ، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميرا جائرا . وقال ابن خويز منداد : وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ، ولذلك قلنا : إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ، ويجب الغزو معهم متى غزوا ، والحكم من قبلهم ، وتولية الإمامة والحسبة ، وإقامة ذلك على وجه الشريعة . وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم ، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلي معهم تقية وتعاد الصلاة . قلت : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : حق على الامام أن يحكم بالعدل ، ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه ، لان الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل ، ثم أمر بطاعته . وقال جابر بن عبد الله ومجاهد : ( أولو الامر ) أهل القرآن والعلم ، وهو اختيار مالك رحمه الله ، ونحوه قول الضحاك قال : يعني الفقهاء والعلماء في الدين . وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة . وحكى عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة . وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال : هن حرائر . فقلت بأي شئ ؟ قال بالقرآن . قلت : بأي شئ في القرآن ؟ قال قال الله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وكان عمر من أولي الام ، قال : عتقت ولو بسقط . وسيأتي هذا المعنى مبينا