القرطبي

260

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في سورة ( الحشر ) عند قوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( 1 ) ) . وقال ابن كيسان : هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس . قلت : وأصح هذه الأقوال الأول والثاني ، أما الأول فلان أصل الام منهم والحكم إليهم . وروى الصحيحان عن ابن عباس قال : نزل ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية . قال أبو عمر : وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة ، ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا ، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها ، فقال لهم : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي ؟ ! وقال : ( من أطاع أميري فقد أطاعني ) . فقالوا : ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجوا من النار ! فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ( 2 ) ) . وهو حديث صحيح الاسناد مشهور . وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم ( 3 ) بن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال : كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة . وذكر الزبير قال : حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد قال : بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع . قال ابن وهب : فقلت لليث ليضحكه ؟ قال : نعم كانت فيه دعابة . قال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي : ( أولوا الامر ) أصحاب السرايا . وأما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) . فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة ، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا ، وامتثال فتواهم لازما . قال سهل بن عبد الله رحمه الله : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء ، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم ، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 10 فما بعدها . ( 2 ) تقدم في ص 149 . ( 3 ) عمر بن الحكم بن ثوبان أبو حفص المدني .