القرطبي

243

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، ثم حذف . وهذا مذهب سيبويه ، وأنشد النحويون : لو قلت ما في قومها لم تيثم ( 1 ) * يفضلها في حسب ومبسم قالوا : المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها ، ثم حذف . وقال الفراء المحذوف ( من ) المعنى : من الذين هادوا من يحرفون . وهذا كقوله تعالى : ( وما منا إلا له مقام معلوم ( 2 ) ) أي من له . وقال ذو الرمة : فظلوا ومنهم دمعه سابق ( 3 ) له * وآخر يذري ( 3 ) عبرة العين بالهمل يريد ومنهم من دمعه ، فحذف الموصول . وأنكره المبرد والزجاج ، لان حذف الموصول كحذف بعض الكلمة . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي ( الكلام ) . قال النحاس : و ( الكلم ) في هذا أولى ، لأنهم إنما يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام ، ومعنى ( يخرفون ) يتأولونه على غير تأويله . وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين . وقيل : ( عن مواضعه ) يعنى صفة النبي صلى الله عليه وسلم . ( ويقولون سمعنا وعصينا ) أي سمعنا قولك وعصينا أمرك . ( واسمع غير مسمع ) قال ابن عباس : كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لاسمعت ، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى . وقال الحسن ومجاهد : معناه غير مسمع منك ، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول . قال النحاس : ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك . وتقدم القول في ( راعنا ( 4 ) ) . ومعنى ( ليا بألسنتهم ) أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم . وأصل اللي القتل ، وهو نصب على المصدر ، وان شئت كان مفعولا من أجله . وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء . ( وطعنا ) معطوف عليه أي يطعنون في الذين ، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه ، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته ، ونهاهم عن هذا القول . ومعنى ( أقوم ) أصوب لهم

--> ( 1 ) تيئم ( بكسر التاء ) : وهي لغة لبعض العرب ، وذلك أنهم يكسرون حرف المضارعة في نحو تعلم وتعلم ، فلما كسروا التاء . انقلبت الهمزة ياء . والميم ( بوزن المجلس ) : الثغر . ( 2 ) راجع ج 15 ص 137 ( 3 ) في ديوان ذي الرمة : ( غالب ) و ( يثنى ) . وهملان العين فيضانها بالدمع . ويذري : يصيب . ( 4 ) راجع ج 2 ص 57